مجد الدين ابن الأثير

312

المختار من مناقب الأخيار

أراد أن يأتي إلى شيء صاف يكدّره « 1 » . * * * وقال أبو الحسين بن شمعون « 2 » : اجتزت يوما على الصّراة « 3 » ، فرأيت امرأة تلتقط من ورق البقل الذي يأتي على الماء ، فقلت : لا شكّ أنّ هذه المرأة فقيرة ، فوقفت حتى رجعت ، فاتبعتها ، فأتت إلى دار فدخلت ، فرجعت إلى بيتي ، فما استقرّ بي المنزل حتى أتاني خادم معه دنانير ودراهم ، فقال : ادفع هذا إلى محتاج ، فأخذته وقمت ، فأتيت بيت المرأة ، فطرقت الباب ، فخرج إليّ رجل من خواصّ مجلسي ، ومن الملازمين لي ، فلمّا رآني قال : ما لي أراك هكذا ؟ فقلت : جئتكم بهذه الدنانير تستعينون بها على الوقت . فنظر إليّ مغضبا ، فقال : يا شيخ ، تحذّرنا من الدنيا ، وتأتينا بها . ثم ردّ الباب في وجهي ، ودخل . فرجعت منكسرا إلى بيتي ، ثم قلت في نفسي : لا بدّ أن أعود إليه فأعتذر ، فأتيته في اليوم الثاني ، فطرقت الباب مرارا ، فلم يجبني أحد ، وإذا امرأة من الجيران تقول : مالك يا رجل ؟ فقلت لها : ما فعل أهل الدار ؟ فقالت : كان في هذه الدار رجل مع والدته فكنّا نتبرّك بهما ، فجاء بالأمس شيطان فكلّمهما بما كرها ، فانتقلا « 4 » عنّا . قال : فعدت وأنا شديد الحزن على ما فعلت ، وجعلت أتفقّد مجلسي فلا أرى الرّجل .

--> ( 1 ) صفة الصفوة 2 / 509 ، وما بين المعقوفين مستدرك منه . ( 2 ) في ( أ ) : « سمعون » . ( 3 ) الصراة : أحد نهرين ببغداد ، وهما الصراة الكبرى ، والصراة الصغرى . معجم البلدان . ( 4 ) في ( ب ) : « فكلمهم بما كرهوا فانتقلوا » .